بيعة على بن أبي طالب
|

بيعة على بن أبي طالب وظهور الخوارج

تمت بيعة علي بن أبي طالب الخليفة الراشد الرابع رضي الله عنه من قبل الثوار في ظروف صعبة للغاية. حيث شهدت دولة الخلافة الأموية مقتل الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة 35 هجرية. وجرت أحداث الفتنة في بلاد المسلمين عقب خلافات مرادها الحرب.

جرت بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه واستلم خلافته ممن بايعوه ثم ولّى العديد من الخلفاء ومنهم عبدالله بن عباس على اليمن. وسمرة ابن جندب بن هلال ابن حريج الخزالي رضي الله عنه على البصرة.

بينما تولى عمارة بن حسان ابن شهاب على أرض الكوفة. والصحابي قيس ابن سعد ابن عبادة على أرض مصر. ثم ولى أيضًا علي بن أبي طالب رضي الله عنه سهل ابن حنيف بن واهب الأنصاري على بلاد الشام وهو صحابي شهد عدد من غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم.

جاءت بيعة علي بن أبي طالب في فترة كان يحكم فيها الصحابي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بلاد الشام. حيث أن معاوية كان واليًا على جيش الشام منذ خلافة عمر بن الخطاب الخليفة الراشد الثاني رضي الله عنه.

بيعة علي بن ابي طالب 

بعد ولاية العديد من الصحابة تحت إمرة الخليفة الراشد الرابع علي بن ابي طالب. قام علي بإرسال سهل ابن حنيف على بلاد الشام. بينما كان يسير في أرض تبوك لقيه جند الشام في وسط مسيرته ودار حوار بينهم.

سأله جند اشام من أنت فأجابهم أنا أمير , ثم سألوه أمير على أي شيء؟. فأجابهم أمير على الشام , ثم قالوا له إن كان عثمان قد بعثك فـ أهلا وسهلا بك وإن كان غيره فارجع.

لقد كان جند الشام في غاية الولاء لـ معاوية , حيث أنه جيش ذو بأس شديد في الحروب. وخاصة أن معاوية أكرمهم وعزم على احترامهم كثيرا  فأعطوه الولاية المطلقة.

حدث خلاف آخر أيضا بين جند الشام والأمصار , وكانت بوادر الخلاف جلية بين جيوش معاوية وعلي. حيث قام علي بن أبي طالب بإرسال العديد من الكتب إلى معاوية بن أبي سفيان ورد عليها معاوية في تجاهل تام.

طالب معاوية بن أبي سفيان القرشي علي بن أبي طالب بدم ابن عمه عثمان بن عفان (رضوان الله عليهم جميعًا). و رد معاوية على بيعة علي : لا أبايعه حتى يسلمني قتلة عثمان فإنه قتل مظلومًا.

الخلاف مع معاوية بن أبي سفيان

نظرا لاضطراب الأوضاع الذي حل على بلاد المسلمين , لم يستطع علي بن أبي طالب القصاص من قتلة عثمان بن عفان. حيث قدر عدد قتلة عثمان بالمئات من الرجال الذين حاصروا بيته.

فأصر الخليفة معاوية بن أبي سليمان على المطالبة بدم ابن عمه. بينما عزم الخليفة علي بن أبي طالب على قتال المخالفين في بيعته وعلى رأسهم الصحابي معاوية بن أبي سفيان.

سار الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب بجيشه إلى المدينة المنورة وجعلها نقطة في بداية للخلافة. بالتالي أراد أن يتخذ منها عاصمة للمسلمين. بينما قام بدعوة جنوده من الأمصار ليأتوا إليه إلى المدينة.

تسارعت أحداث الحرب الدامية وبدأت الخلافات بالقرب من البصرة وأولى هذه الخلافات معركة الجمل في جمادى الآخرة من عام 36 هجري. قتل فيها من المسلمين قرابة الــ 10 جندي من الطرفين ما يعني 5 آلاف جندي من كل جيش.

بعد ذلك عزم الخليفة علي بن أبي طالب رضي عنه على قتال الخليفة معاوية بن أبي سفيان. دارت بين الجيشين حرب صفين التي راح بها الكثير الكثير من الحشود المسلمة.

قدر المؤرخون القتلى في معركة صفين بحوالي 70,000 مسلم. وبعضهم قال قتل من أهل الشام قرابة الــ 45,000 ومن أهل العراق 25,000 جندي.

وقف القتال وتحكيم كتاب الله

في صفر عام 37 هجري وبينما حسمت المعركة لصالح الخليفة علي بن أبي طالب. قام جيش معاوية برفع المصاحف على أسنة الرماح وقالوا نحكم كتاب الله فيما بيننا وبينكم.

و بالتالي اتفق كل من الجيشين على موعد يطاله التحكيم في شهر رمضان من نفس السنة 37 هجرية. فض الخلاف بين كل من الجيشين وعادوا إلى ديارهم حيث عاد جند الشام إلى دمشق وعاد جيش علي بن أبي طالب إلى الكوفة.

لم يكن موعد التحكيم مبشرًا بالخير بالنسبة لعلي بن أبي طالب , حيث حدث انشقاقا في صفوف جيشه. و بالتالي كان ثاني  ظهور لما يعرف بالخوارج بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان في صفوف علي. حيث قد بالغوا بالنكير عليه كما قالها العالم ابن كثير.

جاء زرعة بن البرج الطائي وحرقوص بن زهير التميمي إلى علي بن أبي طالب وقالوا له لا حكم إلا لله فأجابهم علي لا حكم إلا لله. وفي حوار دار بين علي والخوارج قال زرعة بن الطائي إليه : أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقتلنك في ذلك اطلب في ذلك رحمة الله ورضوانه.

ثم قال له علي : تبا لك ما اشقاك , كأني بك قتيلا تسفى عليك الرياح.ثم رد عليه زرعة الطائي قائلا : وودت أن قد كان ذلك.ثم رد عليه علي : إنك لو كنت محقا كان في الموت تعزية عن الدنيا , ولكن الشيطان قد استهواك.

يقال بأن حرقوص بن زهير قد كانت له صحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم , وشارك في فتوحات العراق, فقد قاتل في الأهواز ضد الهرمزان , لكنه خالف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ثم قتل في معركة النهروان.

وقعت معركة النهروان سنة 38 هجرية , بين الخليفة علي بن أبي طالب وبين الخوارج. وتقع النهروان ما بين بغداد وحلوان. 

خروج عن بيعة علي بن أبي طالب 

عندما توجه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى الكوفة , انشق عن جيش علي قرابة 12 الف رجل. حيث قاموا بإرباك الصفوف والتخلي عن الجماعة. بالتالي فقد خرجوا عليه عندما نزلوا في قرية حروراء وقد سموا بالحرورية نسبة إليها.

بينما قام الخليفة بإرسال ابن عمه عبدالله بن عباس (ترجمان القرآن) لكي يناظرهم.  وقد نجح بذلك الأمر ورجعوا معه إلى الكوفة حيث قاموا بــ بيعة علي بن أبي طالب من جديد على السمع والطاعة.

لم تستمر طاعة الخوارج لعلي كثيرا حيث ما ان اقترب موعد التحكيم مع جند الشام إلا وقاموا بنقض البيعة من جديد. على سبيل المثال , فقد قاموا بمبايعة أميرا منهم مع التكثير من خطب التحريض ضد أمير المؤمنين. 

كانت خطابات الخوارج تنص على قتل المسلمين ومخالفة دعوتهم ومذهبهم وتكفيرهم. ومنهم من اتهم المسلمين باتباع الهوى والصد عن طاعة ربهم بحسب رأيهم. 

أبرز ما قاله الخوارج لحظة خروجهم على الحاكم هي : لا حكم إلا لله. وقد قال أمير المؤمنين علي : كلمة حق أُريدَ بها باطل.

أحداث الخوارج

أخذت حشود الخوارج في الازدحام والتوافد من كل مكان ومن كل بيت ومن بين كل عائلة وجماعة. تركز وجودهم في منطقة النهروان على مقربة من بغداد , وقد لقوا في طريقهم الصحابي عبدالله بن الخباب بن الأرت ومعه زوجته أم ولده التي كانت لم تضع جنينها بعد. 

كان لدى عبدالله بن الخباب صحبة من والده مع النبي صلى الله عليه وسلم ولكن عبدالله كان صغيرا في السن حيث أنه كان أول مولود في عهد الإسلام. تلاقى معه الخوارج وسألوه عن اسمه وكانوا قد عرفوه. قاموا بطرحه على ضفة النهر وقتلوه ثم بقروا بطن زوجته.

خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع جيشه لكي يلتقي مع الخوارج في منطقة النهروان. وعندما تلاقى معهم قال لهم : أخرِجوا إلينا قتلة إخواننا نقتلهم بهم.ردوا عليه الخوارج قائلين: كلنا قتلتُهم , ثم أمروا بعضهم البعض قائلين : لا تخاطبوهم (يقصدون أتباع جيش علي) ولا تكلموهم تهيئوا للقاء الرب ثم أخذوا يصيحون : الرواح الرواح إلى الجنة. 

قام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأعطاهم فرصة أخيرة قبل القتال ثم دفع راية الأمان لــ أبي أيوب الأنصاري , ثم قال لهم : من جاء منكم بهذه الراية ممن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن , ومن انصرف منكم إلى الكوفة وخرج من هذه الجماعة فهو آمن.

بيعة على بن أبي طالب بين إخلاء السبيل أو القتال

قد تلقى البعض منهم هذه النصيحة ثم قام بمغادرة جماعته بينما أبى البعض منهم إلا المكابرة وعدم الخنوع.. بعد ذلك نشب قتال بين جيش أمير المؤمنين وبينهم وقد أباد جيش علي الكثير منهم بفارق تعجب من الناس. 

يمكن القول بأن جيش علي قام بالقضاء عليهم جميعا وتسبب في مقتلة عظيمة ضد الخوارج.

الخوارج والثأر من الصحابة 

قتل في المعركة نافع ذو الثدية , وشجنة بن عدي التميمي , وقد كان لــ شجنة بن عدي ابنة حسناء المظهر اسمها قطان وهي على معتقد الخوارج. وعندما وصلها خبر قتل أباها وأخاها أقسمت على الإنتقام من الخليفة علي بن أبي طالب.

بدء دعاة عقيدة الخوارج في التخطيط للثأر من القتلى الذين حلت بهم مقتلة من جيش علي. ثم قرروا التنظيم في نشر الشائعات والتحدث في هموم الناس عامة والتحريض على قيادة الخليفة. وكان أبرز قادتهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي , البرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي. 

قام هؤلاء الخوارج الثلاثة في تسميم سيوفهم وقد عزموا على قتل علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص. حيث قام البرك في الذهاب إلى دمشق وتربص في الخليفة معاوية بن أبي سفيان. إلى أن ضربه في السيف لكنه لم يصاب بمقتل.

ثم أمر معاوية من معه بقتله , وتبين لدى الخليفة معاوية بأن ضربته مسمومة وقام بأخذ شربة وبرئ بأمر الله من جرحه. وبالتالي ومن يومها عمل معاوية على تحصين مكان مكوثه بالاحتياطات اللازمة من الحرس والأسلحة.

وأما عمرو بن العاص فقد تربص به الخارجي عمرو بن بكر حيث كان الصحابي عمرو بن العاص يقيم خلافته في مصر. وشاء الله في تلك الليلة ان لا يخرج عمرو بن العاص إلى صلاة الفجر بسبب ألم في بطنه فقام بتولية رئيس الشرطة في إقامة الصلاة نيابة عنه.

فانقض عليه الخارجي ظنا من أنه الخليفة وقتله , ولما أحضروه إلى الخليفة قال له : أردت عمرا وأراد الله خارجة.

لم يسلم منها علي

تربص الخارجي عبدالرحمن ابن ملجم بأمير المؤمنين على بن أبي طالب في الكوفة. وذلك عندما التقى بجماعة من تيم الرباب كان قد قُتل منهم عشرة رجال وقاموا في التربص لقتل أمير المؤمنين.

بينما كان عبد الرحمن ابن ملجم منشغلاً في لقاء خارجية حسناء قطان بنت شجنة بن عدي .  فقد اشترطت عليه أن يكون مهرها مبلغ من المال وعبد وقينة وأن يقتل علي بن أبي طالب , فوافق على شرطها وتزوج منها. 

في فجر السابع عشر من رمضان سنة 40 هجرية , خرج الخليفة علي إلى الجامع في الكوفة لأداء ودعوة الناس إلى صلاة الفجر. وهجم عليه الخبيث وضربه في سيف مسمومة على جبهته.

وعندما ضُرب الخليفة علي صاح في الناس قائلا : لا يفوتنكم الرجل , وجرح جرحا عميقا. وبعد أن ألقي القبض على المجرم أدخلوه إلى الخليفة وهو مصاب ودار بينه وبين أمير المسلمين علي حوار.

حوار بيعة علي بن أبي طالب الخارجي

قال له علي : ألم أحسن إليك يا عدو الله , فقال له بلى , ثم قال للخارجي : ما حملك على هذا؟ فقال شحذته 40 صباحا وسألت الله أن يقتل به شر خلقه , فقال له علي : لا أراك إلا مقتولا به , ولا أراك إلا من شر خلقه. 

ثم قال الخليفة علي إلى جنده : النفس بالنفس فإن أنا مت فاقتلوه , وإن بقيت رأيت فيه رأيي ونهى علي ابنه الحسن عن المثلى , وقال لابنه : إن أنا مت بـ هذه فاضربه ضربة بضربة. 

ثم قال له أيضا : لا تمثل بالرجل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إياكم والمثلى ولو أنها بالكلب العقور.

إخفاء جثمان علي بن أبي طالب 

توفي علي بن أبي طالب رضي الله عنه الخليفة الرابع في 21 رمضان سنة 40 هجري. وقد تم اغتياله وهو يبلغ من العمر 62 عاما. حيث تم غسل جثمانه من قبل ولديه الحسن والحسين رضي الله عنهم ومحمد بن الحنفية وابن أخيه عبدالله بن جعفر وعبيد بن العباس رضوان الله عليهم.

تم دفن الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب في السر. وذلك خوفًا من التنكيل في جثمانه وتدنيسها ويقال بأن جثمانه دفنت في مدينة مزار شريف الأفغانية.

المراجع

  1. ^ كتاب تاريخ الأمم والملوك للإمام محمد بن جرير الطبري.
  2. ^ كتاب المنتظم في تاريخ الأمم والملوك للإمام ابن الجوزي.
  3. ^ كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير. 
  4. ^ كتاب الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي البداية والنهاية.
  5. ^ كتب الأدب العربي.
  6. ^ كتب أنساب العرب وقريش.
  7. ^ دروس الدكتور أحمد الدعيج وفقه الله في كل خير للأمة الإسلامية.
  8. ^ قائمة الخلفاء الراشدين في الدولة الإسلامية.
  9. ^ مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
  10. ^ مصادر من حادثة معركة الجمل.
  11. ^ أول ظهور الخوارج.
  12. ^ تاريخ معركة النهروان.
  13. ^ اغتيال خليفة المؤمنين علي بن أبي طالب.
تقييم هذا المنشور

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *